يمثل الشاعر الفلسطيني محمود درويش طرازا فريدا من المثقفين العرب، وينطبق على حياته ودوره في الثقافة العربية وصف المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي المثقف العضوي، أي ذلك النوع من المثقفين الذين ينخرطون في قضايا شعوبهم ويعيشون مدافعين عنها في كل ما يصدر عنهم ممارسة وإبداعا.
اشتهر درويش بوصفه شاعر المقاومة وحارس الهوية النضالية للشعب الفلسطيني، لكن تأثيره الشعري والفكري تجاوز حدود الجغرافيا، ليحضر في الثقافة الإنسانية قمرا يضيء ليل المعذبين في الأرض. واتسعت رؤاه الشعرية من حماسة القول والشعار السياسي إلى إبراز الصراع الحضاري بأشكاله المتعددة.
لم يكن شعر درويش ساحة خاصة بالفلسطينيين وحدهم، بل لقد شاركهم أعداؤهم الإسرائيليون السير بين تلك السطور، فسكن اليهود أيضاأأ قصيدة شاعر فلسطين الأشهر، وشهدت صورة العدو تحولات وأنماطا عدة فرضتها تجربة درويش الشخصية والسياسية، ورؤيته بالتالي لمدخلات ومخرجات الصراع الشائك الطويل الأمد.
بدايات شائكة
عاش درويش في الأرض المحتلة حالة شائكة ومعقدة قد لا يستطيع فهمها سوى أولئك الذين صمدوا في أرضهم وكان عليهم في الوقت ذاته أن يخضعوا لدولة العدو كمواطنين ولكن من الدرجة الثانية. فمن جهة اغتصب الغرباء أرض الفلسطينيين وشردوا أهلها ومسحوا قراهم، لكن في الوقت ذاته فرضت دولة العصابات عليهم علما وجيشا وهوية تنطق بالعبرية وتناقض هويتهم وتاريخهم وإنسانيتهم.
إنه الاضطهاد في أبشع صوره، حين يجبر المرء على تلقي الطعنة بين عينيه ولكن ليس مسموحا له أن يتألم لأن ذلك يخترق أمن إسرائيل.
لقد عرف درويش المجتمع الإسرائيلي في أوج نهمه للقوة والعنف والسيطرة، حين كان تثبيت أركان الكيان الصهيوني مدقوقا في أيدي الفلسطينيين المعلقين على الصليب. وبوصفه مواطنا كان عليه أن يخضع لتعليم الدولة وثقافتها ويختلط بناسها القادمين من الآفاق البعيدة.
كان على درويش إذن في تلك الحالة أن يتنفس الهواء ذاته الذي يتنفسه أعداؤه، وأن يسير على الطريق الساحلي ذاته الذي تمدد قرب يافا وصار اسمه تل أبيب عاصمة المدرعين بالنار والحديد آنذاك.
وهنا سيتعرف الشاعر على تناقض جديد، فثمة بين الأعداء من يرفضون طروحات الدولة الصهيونية ويناضلون ضدها، وثمة مجموعة سياسية تدعو إلى وقف العنف ضد شعبه العربي بل تدعو إلى حقوق متساوية، وأبعد من ذلك كانوا يدعون إلى الاعتراف بالفلسطينيين ككيان سواء في شكل دولة خاصة بهم أو في شكل دولة علمانية ثنائية القومية تضم اليهود والعرب معا، وهو أمر كان في مقاييس ذلك العصر من المحرمات في إسرائيل، بل إنه اعتداء وتهديد لوجود دولة اليهود بحسب رؤية القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية حينها.
نضال سياسي
انخرط درويش في اليسار الإسرائيلي وتحديدا في الحزب الشيوعي، الذي اعتبر تاريخيا النافذة الوحيدة للتعبير عن الحقوق العربية في الأرض المحتلة عام 1948 قبل أن تتشكل لاحقا حركات سياسية قومية وإسلامية داخل الوسط العربي والتي ظهرت بعد منتصف سبيعينيات القرن العشرين.
في تلك البيئة المتناقضة حد العنف، عاش درويش واكتسب وعيه النضالي وثقافته السياسية الأولى. فبينما مسحت بلدته البروة عن وجه الأرض، ولم يكن مصرحا لأهله بالعودة إلى أرضهم، عاش درويش الصبي والشاب بين مدارس تدرسه التوراة، وبين سجن كبير يرفض وجوده كعدو.
إنه مناضل صلب يخرج من السجن ليدخله، وإذا استراح ففي الإقامة الجبرية، لكنه في العمق أيضا يظل إنسانا له قلب يخفق ويحب. القلب ذاته الذي ينزف بسبب مأساة شعبه هو القلب الذي سيحب ريتا الفتاة اليهودية التي علمها التدخين وعلمته مطاردة الدخان.
لقد عرف درويش خلال حياته في الأرض المحتلة أشكالا عدة من التناقضات الشخصية والوطنية ستنعكس لاحقا على شعره وقصائده ورؤيته، فسياسيا سيذهب درويش في ستينيات القرن العشرين إلى المعسكر الاشتراكي حاملا علم الدولة العدوة بوصفه مواطنا لها. وهو تناقض تناوله درويش في كتابه يوميات الحزن العادي. وهو في الآن ذاته سيحب فتاة يهودية بينه وبينها بندقية كما عبر عنها في قصيدته الشهيرة التي غناها الفنان اللبناني مارسيل خليفة.
حسم درويش تناقض وضعه السياسي والإنساني بالخروج من الأرض المحتلة في بداية السبعينيات، لكن الأسئلة الكبرى حول شعبه وعدوه ظلت حية داخله. الفتاة اليهودية التي خفق قلبه لها والدولة العدوة التي شردت وسجنت شعبه ستظهران مرارا وتكرارا في كل أشعاره وبصور عدة، حتى في أكثر أشعاره وجودية وشخصية، كما في جدارية التي كتبها وهو على مشارف رهبة الموت بعد عملية القلب الثانية.
رهاب العدو
تخلص درويش من رهاب الصورة النمطية للعدو، ودخل معه في صراع مباشر لكنه انتقل من صيغة المنشور والنضال السياسي إلى صراع فكري وحضاري، ولم يكن هذا ليتحقق قطعا دون حضور ذلك العدو بصوره اليومية المتعددة داخل قصائده ورؤاه الإبداعية وما يتبع ذلك من تجليات سياسية.
أنا آخر الشعراء الذين
يؤرقهم ما يؤرق أعداءهم:
ربما كانت الأرض ضيقة
على الناس.
كان درويش من حيث المبدأ مع الحلول السياسية التي تضمن كرامة وإنسانية شعبه، وبوصفه عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية فقد اصطف مع القيادات السياسية التي وافقت بشكل أو بآخر على مشروع التسوية السياسية مع إسرائيل على الأقل من حيث المبدأ، ولعل قيام الشاعر بصياغة بيان استقلال الدولة الفلسطينية الذي أعلن في الجزائر عام 1988 تجل لتلك الإرادة لدى القيادة السياسية الفلسطينية آنذاك.
لكن في الوقت ذاته، لم يكن درويش متماهيا مع مشروع السياسيين على طول الخط، فإذا كان لا بد من السير في طريق التسوية السياسية فإن ذلك عنده لا يكون بأي ثمن، بل لا بد من حلول تحافظ على هوية الشعب الفلسطيني، ولهذا استقال درويش من قيادة منظمة التحرير حين رأى أن تلك المشاريع السياسية لا تحفظ حقوق شعبه وهويته.
سجل أنا عربي
دروي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ